محمد كرد علي

36

خطط الشام

بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم ، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار . ولكن الحال في مصر لم يسر سيرا حسنا لأن الفرنج لم يخلصوا ، ومن الخطأ الفاحش استنجاد شاور وزيرها بهم واستعانته بهم على إخراج أسد الدين شيركوه منها فأرسل الخليفة العاضد يستغيث بنور الدين ( 564 ) ثانية وكان الفرنج ملكوا بلبيس وحصروا القاهرة ، فأحرق شاور مصر لئلا يملكها الفرنج وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة وبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما ، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار . ولما قارب شيركوه مصر للمرة الثالثة هرب الفرنج وخلع عليه العاضد وأجرى عليه الإقامات ، وماطله شاور فيما كان بذل لنور الدين من تقرير المال وإفراد ثلث خراج مصر ، وعزم شاور أن يقبض على شيركوه فقبض العسكر النوري عليه وقتل ، ودخل شيركوه القصر فخلع العاضد عليه خلع الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش وتولى شيركوه الأمر شهرين وخمسة أيام ثم هلك ، فأحضر العاضد صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه بالملك الناصر ، وثبتت قدم صلاح الدين بمصر أنه نائب لنور الدين ، وتمكن منها وضعف أمر العاضد فكان لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلّا بأمر صلاح الدين ، وأصبح يدعى له على منابر مصر بعد نور الدين . بعض غزوات نور الدين : ولم يغفل نور الدين في غضون ذلك عن الإثخان في الفرنج وإرهاف الحد في قتالهم ، وقويت عزيمته بعد أن أخذ حارم وبانياس ( 559 ) على التقدم في فتوحه وكان كلما طالت أيامه أيقن أن القوة القليلة المنظمة أفعل من القوة الكبيرة المبعثرة . ولم ينغصه في عمله سوى مقاومة أحد إخوته أمير ميران له حتى اضطره إلى حربه فمضى أخوه أمير ميران إلى صاحب الروم وعفا عنه نور الدين . كأن السعادة التي أقبلت على هذا الفاتح من كل وجه أبت الطبيعة إلّا أن تكدرها عليه بمشاكسة أحد إخوته له ، وكان بالأمس لما أرجف بموت نور الدين في حلب قام يطالب بمملكة أخيه فحاربه ، واليوم يحمل أخاه على دفع عاديته ثم يتجاوز عما بدر ؟ ؟ ؟ من سيئاته .